mercredi 17 août 2011

الورد في التراث العربي



الورد في التراث العربي


أعتبر العرب، أن الورد سلطان الزهور، ونصبوه ملكا بلا منازع عليها، وكان بعضهم يفضل الورد على غيره، فيما الذين فضلوا غيره كانوا قلة. ومن بين ما قاله الشعراء تفضيلا للورد وتأكيدا لرئاسته، أبيات الشاعر أبو الطيب العلمي:

ورد الربيع، فمرحبـــــــــا بوروده               وبنور بهجته ونـــــــور وروده

وبحسن منظره وطيب نـــسيمه             وأنيق ملبسه ووشي بروده

والورد في أعلى الغصون كأنــه               ملك تحف به سـراة جنــوده

فهذه الأبيات خير تعبير عن مكانة الورد، وغير من الأزهار لصالحه دون منازع. وما يساعد على ذلك أن الشعراء العرب كتبوا أبياتا من الشعر على لسان الأزهار تبايع الورد وتشهد له:

شهد النرجس والله يــــــــــــرى              صحة النيات منها والمــرض

إن للورد عليه بيعــــــــــــــــــــه               أكدت عقدا فما أن تنتقـــض

والشعراء الذين فضلوا الآس على الورد، لم يفضلوه، إلا لمزية واحدة وهي طول مقامه، وهم في هذه الحالة يرجون أن ينعكس ذلك في التعبير عن دوام حبهم وأزليته، بل أن البعض منهم يرى في عدم طول مقام الورد مزية له. كما تمنى البعض أن يصبح الورد أسا ليطول بقاؤه، كما في البيتين:

وصلت، وكان الورد أول ما بــــدا               فلما تولى الورد ولت مع الــــــورد

فيا ليت أن الورد أس فأنـــــــــه                يدوم على الحالين في الحر والبرد


الورد والآس

والواضح في هذين البيتين أن الشاعر يصف إطلالة حبيبته مشبها إياها بإطلالة الورد، ولكنها سرعان ما غابت عن الأنظار، فيتمنى الشاعر أن يطول عمر الورد ويصبح أسا فتبقى حبيبته أمام ناظريه، ويبقى جمالها وجمال الورد صنوين يملان عينيه وقلبه. فيدوم حبه ويدوم تمتعه برؤية الحبيبة.
وإلى ذلك كله، فقد تخذ الشعراء من الورد رمزا للتعبير عن دواخلهم وعما يجري حولهم، وعنعلاقاتهم الاجتماعية وظواهرها.
فالشاعر أبو دلف العجلي، لم يجد أفضل من الاستعانة بالورد ليبرهن لممدوحه دوام حبه واحترامه، وبقاءه على العهد، ووفاءه لمولاه، فستعار قصر عمر الورد ليعبر عمن لا عهد له.
 والمعروف أن أبا دلف، أحد كبار الأمراء الشعراء، قلده الخليفة العباسي هارون الرشيد، أعمال الجيش وكان من قادة المأمون، وله أخبار كثيرة في الأدب، وهو من العلماء بصناعة الغناء، يقول الشعر ويلحنه، قال أبو دلف يمدح طاهر بن الحسين أمير خرسان:

أرى ودكم كالورد ليس بدائــــــم              ولا خير فيمن لا يدوم له عهــد

وحبي لكم كالآس حسنا ونضرة              له زهرة تبقى إذا فني الـورد       

فرد عبد الله على ابيات أبي دلف :

وشبهت ودي الورد وهو شبيه                وهل زهرة إلا وسيدها الــورد

وودك كالآس المرير مذاقـــــــه                وليس في الطيب قبل ولا بعد

والظاهر من أبيات أبي دلف، أنه أراد معاتبة ممدوحه على غضبه منه، وأن وده وصداقته له ليست آنية تزول بسرعة، وإنما هي ثابتة قوية متينة، باقية على الدوام فلم يجد افضل من الاستعانة بالورد وعمره، للدلالة على عدم دوام الصداقة والحب والمودة، فشبه المودة الزائلة لقصر عمره، ثم شبه مودته بالآس الذي يدوم ويستمر، ويعمر فيما الورد يفنى ويزول.

سيد الزهور

ولكن عبد الله بن الحسين، في أبياته يرد على أبي دلف، مفضلا الورد، ومفضلا أن تكون صداقته كالورد لأنه سيد الزهور وأرقها وأجملها وألطفها، فيما الآس مرر المذاق ولا يحسب له حساب بين الأطايب فهو إذا يريد صداقة لطيفة طيبة المذاق والنكهة جميلة جمال الورد وليس صداقة متوترة، مرة كمذاق الآس المرير.
والشاعر أبو نواس، يدعو عاذله بتعاطي الشراب، وعدم قدرته على الإقلاع عنه، فيلجأ إلى الاستعانة بالعلاقة بين الورد والآس.

يا عاذلي بملام مر باليـــــــــأس              فلست أقلع عن ريحانة الكأس

تباعد العذل عن قلبي على ثقة              كما تباعد بين الـــــــورد والآس

ومن الإشارات التي وردت في هذا الموضوع، ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية التي تسود المجتمع، تلك العلاقات التي عبرت عنها الأشعر الإخوانية فشاعر يعبر بصدق عن مشاعره وأحاسيسه تجاه والده وهو يصف الورد فيقول:

يا من تآزر بالمكارم وارتــــدى                  بالمجد والفضل الرفيق الفائــــــق

انظر إلى خد الربيع مركبــــــا                   في وجهه هذا المهرجان الرائــــق

ورد تقدم إذ تأخر واغتــــــدى                   في الحسن والإحسان أول سابق

وافاك مشتملا بثوب حيائــــه                   خجلا لأن حياك آخر لاحــــــــــــــق


الورد والصداقة

وهذا شاعر آخر، يختار أن يصف الورد الأبيض والأحمر، وهو في الحقيقة يدعو صديقا له إلى الفصد، مستغلا المناسبة ليعرب عن مشاعره تجاه صديقه وما يكن له من ود وصداقة واحترام.

 

وقد اخترته نهارا بهيــــــا            كحياك مستنير الشـــــروق

عندنا الورد قد تآلف لونيــــن           لون المها ولون العقيــــــــق

كخدود تبرقت بحيــــــاء           فوق إيباجها الأنيق الدقيــــق

فتفضل وخف نحو صديــــق          أنت في نفسه أجل صديــــق 


وكثيرا ما نرى في تلك الأشعار، تعبيرا عن العلاقات الاجتماعية القائمة بين أركان المجتمع، وبين أركان الحكم، بين الوزراء والوزراء وبين الوزراء والأدباء والكتاب، والوزراء والملوك والرؤساء والعامة والملوك والوزراء.
ولا يغيب عن هذا الشعر العلاقة بين الرجل والمرأة، فقد عبر تعبيرا دقيقا واضحا عن ذلك وتعمق في خصوصياتها وألقى الضوء على طبيعتها من خلال ربط الشعراء بين صفات الورد وصفات المرأة والحبيبة وهو "لون من السمو بالطبيعة وإحلالها لها محل اعز ما يهواه العربي ويكرمه ويقدره وهو المرأة" على حد ما جاء في كتاب البيئة الأندلسية وأثرها في الشعر في عصر ملوك الطوائف.

فالمرأة كانت عند هؤلاء الشعراء صورة من محاسن الطبيعة والطبيعة تجد في المرأة ظلالها وجمالها. ولذا كانت الحبيبة روضة وجنة وشمسا.
ومن بين ما نجده في الأدب العربي المتعلق بالورد، استدعاؤه للعادات والتقاليد الاجتماعية والاستعانة بها وتصويرها، فلا شك أن لكل مجتمع تقاليده وعاداته، ومن جملة تقاليد ناسنا في المجتمع العربي ارتداء السواد حدادا، في بلاد الأندلس كان على العكس، إذ كانوا يرتدون الملابس البيضاء للتعبير عن حدادهم. وقد اعتادوا ذلك من عهد دولة بني أمية تحديا للعباسيين الذين كان شعارهم السواد.
والشاعر أبو عمر أحمد بن فرج يشير إلى هذا المذهب عندما يصف نرجس:

ونرجس تظرف أجفانــــــه                       كمقلة قد دب فيها السوسن

كأنه من صفرة عاشــــــق                       يلبس للبين ثوب الحـــــــــزن


الورد والحرب

وقد شهدت النوريات صورا متقطعة لمن صوروا الحروب والفتن والصراعات التي عصفت بالمجتمع العربي في المشرق وفي الأندلس. فعانى بذلك معاناة مريرة على الرغم من الإنجازات الحضارية والثقافية العظيمة التي حققها خلال عصور الاستقرار فالشاعر عمر ابن الزقاق البلنسي، يرى في الورد الأحمر الذي نثر على مياه غدير ماء صورة درع مقاتل مضرج بالدماء جراء الطعن والقتال:

نثر الورد في الغدير وقــــــد                     درجه بالهبوب نشر ريـــــــــاح

مثل درع الكمي مزقــــــــها                     الطعن فسالت به دماء الجراح

وأمية بن أبي الصلت الأندلسي يستمد من ساحة المعركة صورة تشبيهاته وهو يصف طبقا من الورد الأحمر والأبيض، كان في مجلس بعض الرؤساء وقد أمره بوصفه:

كأنما الورد الذي نشــــــــره                     يعبق من طيب معاليكــــــــــا

دماء أعدائك مسفوكــــــــــة                    قد قابلت بيـض أياديكـــــــــــا


-

إنا نحب الورد، لكنا نحب القمح اكثر      محمود درويش

إنا نحب الورد، لكنا نحب القمح اكثر
ونحب عطر الورد، لكن السنابل منه أطهر بالصدر لمسمر
هاتوا السياج من الصدور..من الصدور ؛ فكيف يكــسر ؟
إقبض على عنق السنابل مثلما عانقت خنجر!
الأرض ، والفلاح ، والإصرار، قال لي كيف تقهر..
هذي الأقاليم الثلاثة، كيف تقهر؟
محمود درويش

-

زهور    أمل دنقل

وسِلالٌ منَ الوردِ،
ألمَحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقةْ
وعلى كلّ باقةٍ
اسمُ حامِلِها في بطاقةْ
***
تتحدّثُ لي الزهراتُ الجميلةُ
أنّ أعيُنَها اتّسَعَت –دهشةً-
لحظةَ القطفْ،
لحظةَ القصفْ،
لحظةَ إعدامِها في الخميلةْ!
تتحدّثُ لي..
أنّها سَقطَت مِن على عَرشِها في البساتينْ
ثم أفاقَتْ على عَرضِها في زُجاجِ الدكاكينْ،
ثم أفاقَتْ على عَرضِها في زُجاجِ الدكاكينْ،
أو بينَ أيدي المنادينْ،
حتى اشترتها اليدُ المتفضّلةُ العابرةْ
تتحدّثُ لي..
كيف جاءت إليّ..
(وأحزانُها الملكيّةُ ترفعُ أعناقها الخضرَ)
كي تتمنّى ليَ العمرَ!
وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرةْ!!
***
كلّ باقةْ
بين إغماءةٍ وإفاقةْ
تتنفّسُ مثليَ –بالكادِ- ثانيةً.. ثانيةْ
وعلى صَدرِها حَمَلَت – راضيةْ - ..
اسمَ قاتِلِها في بطاقةْ!


-
اتاك الورد مبيضا مصونا
-

اتاك الورد مبيضا مصونا كمعشوق تكنفه الصدور
كأن وجوهه لما توانت بدور في مطالعها السعود
بياض في جوانبه احمرار كما احمرت من الخجل الخدود


-


الغزل بين الوردة والزهور الأخرى

المصدر:   سلسلة مقالات " من التــراث "
                 

تنافس الشعراء العرب، في نظم الأبيات والمقطوعات التي تذكر العلاقة بين الورد وبين الأنواع الأخرى من الزهور، بالرغم من أنهم اعتبروا أن هذا الأخير يحتل مكانة فيها كتاج لها، وكرئيس دون منازع، بيد أن بعضهم يخرج عن المألوف، فيفضل بعض الزهور، ولعل ذلك يعود لأسباب خاصة، أو لذكرى جميلة مع هذا الزهر أو ذاك وخاصة البهار.
وقد جاء في أشعارهم الكثير من الشعر الذي يذكر الورد والبهار، وأنواعا أخرى، وقد سموا هذه المقطوعات بالباقات.
ومن أبرز من نظم باقات كهذه، ابن عبد الملك الطليق، أحد أمراء بني أمية في الأندلس.
فقد سجن أيام الحاجب المنصور لمدة ستة عشر عاما، وكان أديبا شاعرا قال عنه أبن حزم: هو من بني أمية، كالمعتز من بني العباس، ملاحة شعر وحسن تشبيه، وعرف بالطليق بعد خروجه من السجن ومن أشعاره.:

وكأن الورد يعلوه النـــــــــــــدى               ووجنة المعشوق تندى عرقا

يتنضى عن بهار فاقــــــــــــــــع               خلته بالورد يطوي ومقــــــــا

كالمحبين الوصوليين غــــــــــدا               خجلا هذا، وهذا فرقــــــــــــا

يالها من أنجم في روضـــــــــــة               قد فرقت من رباها أفقــــــــا

ودنت منها إلى شمس الضحى               حدق للنور تصبي الحدقــــــا

وفي موشح جادك الغيث لابن سهل الأندلسي، ذكر لكثير من الأزهار مثل ألبان والورد والنرجس وغيرها. وقد تحدث ابن خلدون في مقدمته عن أناس نسجوا على منوال موشح ابن سهل، شاعر إشبيلية فقال: هل درى ظبى الحمى أن قد حمى… إلى آخر الموشح.
وأما الوزير أبو عبد الله بن الخطيب فقال:

تبصر الورد غيـــــــورا برما                        يكتسي من غيضه ما يكتســي

وترى الآس لبيبا فهمــــــا                        يسرق السمع بأذني فرســـي 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire