lundi 19 décembre 2011

الامتاع والمؤانسة ..اسلوب التوحيدي ولغته

 أسلوب التوحيدي و لغته :

أ-أسلوب التوحيدي: تجلّى احتفاء التوحيدي بالعقل في مستوى الأسلوب من خلال القرائن التالية : 

*كثافة حضور الاستفهام و الأسئلة و المسامرات مثال (ما الحلم ؟ ما الحسد ؟ ما الشجاعة ؟ ما الرّغبة ....)و هو أسلوب ساهم في تأسيس ليالي الإمتاع و المؤانسة . يقول زكريا إبراهيم :" التوحيدي فيلسوف التساؤل , لأنّ لديه روحا تساؤلية تعشق الجدل و لا تكاد تكفّ عن إثارة السؤال تلو السؤال "

*حرص التوحيدي على التوسّع و الأطناب و النقيب و الاستقصاء و الشرح المستفيض و التفصيل للفكرة أو المسالة الواحدة (حديث أبي حيّان عن النفس في الجزء الأوّل ) 

*التدقيق في بعض المسائل لنزع الشبهة و ضمان الدّقة :مثال لما سأله الوزير ابن سعدان عن الفرق بين تفعال ( التاء مكسورة ) و تفعال ( التاء مفتوحة ) فقال له التوحيدي " المصادر كلها على تفعال بفتح التّاء و انّما تجيئ تفعال (التاء مكسورة في الأسماء )

*تواقر أسلوب التعليل : فكثيرا ما يقدم التوحيدي الفكرة ثمّ يفصّل النظر فيها تفصيلا تعليليا.

مثال لما سأله الوزير " ما الفرق بين الإرادة و الحياة " قال أبو حيّان :" كلّ مراد مختار و ليس كلّ مختار مراد ".

*استعمال مفاهيم علمية و مصطلحات فلسفية و عبارات تجريدية .مثال : الرّوح-الحقيقة –الهيولي-الصّورة..

*أسلوب التوليد السّقراطي و ذلك من خلال الانتقال من البسيط البديهي إلى المعقّد المركّب و من خلال الانطلاق من معنى رئيسي ثمّ الشرح التفصيلي ,تسلسل الأفكار , توالد الأفكار...

*تقريب المعنى بضرب الأمثال .مثال : في معرض حديثه عن الإنسان و الحيوان شبه التوحيدي الهام النّحل و اختياره بالهام الإنسان و اختياره ثمّ آل به الأمر إلى تفضيل الإلهام الإنساني. 



ب (لغة التوحيدي :

ترتبط لغة التوحيدي ارتباطا وثيقا بشخصيته المتميّزة . فكما تميزت شخصية هذا المفكر بالتناقض فقد شاع في أسلوبه الازدواج . فكتاب الإمتاع و المؤانسة تمرّد على أسلوبه الازدواج و التناقض. فكتاب الإمتاع و المؤانسة تمرّد على أسلوب السّجع و حافظ على توازن الجملة . يقول " الإنسان ذو قوّة متقاصرة و موانع معترضة ,و انّه مع هذه الأحوال منتبه بالحسّ عالم بالعقل, عاشق للشاهد , ذاهل عن الغائب ...".

و قد استطاع التوحيدي أن يتحرر من تعسّف أساليب الفلاسفة و وضع أسلوبا متوازنا لم يجعل اللّفظ القصير فتسحر به عن المعنى العريض, فانّ اللّفظ للعامة و المعنى للخاصة"

و هذا لا يعني أنّه يستهين بدلالة الألفاظ بل انه يحذّر في الاغترار باللّفظ الذي سيطر على لغة أدباء عصره و العصور القريبة منه.

لقد تحرّر التوحيدي من قيد السّجع (المقامات-الرّسائل...) و عوّضه بالتوازن بين الفقرات و هو ما أسماه النقاد القدامى بالسّجع المعطّل حيث يقسّم الفقرات إلى جمل قصيرة أشبه ما تكون بالأساليب الشعرية الحديثة يراعي في ذلك التنغيم اللّفظي . و هذا ما جعل لغته جسرا بين الشعر و النثر . و يقول " أحسن الكلام ما رقّ لفظه و لطف معناه و قامت صورته بين نظم كأنه نثر و نثر كأنّه نظم ".

ج (أنماط الكاتبة عند التوحيدي :

1) الحجاجي : تنوّعت المسارات الحجاجية التي اعتمدها التوحيدي في الإمتاع و المؤانسة و يمكن ذكر المسارات الحجاجية التالية:

أ-المسار الحجاجي البرهاني : و هو ضرب من الحجاج يقوم على البرهنة وفق انساق متعددة و هما النسق الاستنباطي( الانطلاق من العام إلى الخاص ) و النسق الاستقرائي (الانطلاق من الخاص إلى العام ).

*مثال للحجاج البرهاني الاستنباطي: انطلاق التوحيدي من فكرة الخلق الالاهي عامّة ثم تدرّج إلى التميّز الااهي للإنسان بالعقل لينتهي إلى المقارنة بين الإنسان و الحيوان . فيرى أنّ الإنسان مفضّل على الحيوان بالعقل لأنه يختار أفعاله بينما الحيوان ملهم غريزي .

*مثال للحجاج البرهاني الاستقرائي: انطلاق التوحيدي من ظاهرة الاختلاف بين المذاهب ليتدرّج منها إلى مظاهر أخرى في الاختلاف (الاختلاف في تفضيل الأمم و الرّجال و المال ...) ليخلص إلى قاعدة عامة جوهرها أنّ الاختلاف ظاهرة ملازمة للإنسان و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تزول .

ب - المسار الحجاجي القائم على العرض: و هو ضرب في الحجاج يقوم على عرض أطروحة ما فتحليلها و التوسّع فيها. و من أمثلة ذلك : 

*أطروحة شروط صلاح الدنيا ( نصّ متى تطيب الدنيا) : عرض التوحيدي الأطروحة ديوجانس التي تقرّ بانّ صلاح الدنيا لا يتحقق الاّ بالتلازم بين الفلسفة و السلطة , ثمّ توسّع بالاستدلال عليها من عرض مجموعة من الحجج تدعم أطروحة ديوجانس و تؤكد حاجة السائس إلى الاستنارة بآراء العقلاء.

ج - المسار الحجاجي الحواري : و هو ضرب من الحجاج يقوم على عرض الرّأي و نقيضه و يتجلّى هذا النوع من الحجاج في المناظرات و المساجلات من ذلك:

*المناظرة بين كتابة البلاغة و الإنشاء من جهة و بين كتابة الحساب من جهة أخرى ( نصّ البلاغة والحساب ) فهذه المناظرة أطرافها صاحب البلاغة ( التوحيدي) و صاحب الحساب (ابن عبيد الكاتب ) و هي مناظرة انتهت الانتصار للبلاغة و تفضيل الكتابة على الحساب .

* المناظرة بين النثر و الشعر : هذه المناظرة أطرافها راو مناصر للنثر و التوحيدي ضمنيا و راو مناصر للشعر من جهة أخرى و التي انتهت بتفضيل النثر.

*المناظرة بين النّحو و المنطق و التي جرت بين مناصر النّحو أبي سعيد السّيرافي و مناصر المنطق متّى بن يونس و التي انتهت إلى تفضيل النحو على المنطق في إشارة إلى أفضلية الثقافة العربية على الثقافة اليونانية.

إن تنوّع مضامين الحجاج و مساراته من شأنه أن يولّد منطقيا تعدد الحجج و من أهمها نذكر:

--الحجّة الدينية 

--الحجّة الواقعية 

--الحجّة التاريخية 

--الحجّة القولية

-- حجّة المشابهة

-- حجّة الشاهد القولي

-- حجّة المنطق

و أمثلة هذه الحجج تزخر بها نصوص الإمتاع و المؤانسة.) أنظر النصوص المشروحة في حصص شرح النص( .

ملاحظة : أنواع الحجج على قدر كبير من التنوّع و التعدّد.

ب - الأسلوب التعليمي : لقد خضعت مسامرات الإمتاع و المؤانسة إلى جدلية الوزير السائل و التوحيدي المجيب . و هي جدلية تذكرنا ببنية الحكاية المثالية في كتاب "كليلة و دمنة " أين نجد الملك دبلشيم يسأل و بيديا الفيلسوف يجيب و هذا ما أضفى على بعض المسامرات الطابع التعليمي و من العلامات الدّالة على ذلك : 

- توظيف الحكايات و الأمثلة المعبرة لاستخلاص العبرة منها.

- تفرّد التوحيدي بالإجابة مما يجعل كلامه مستفيضا طويلا ( عكس الحوار السجالي) و في ذلك إشارة إلى أن التوحيدي هو صاحب رسالة عليه أن يؤديها ( الإصلاح –الإرشاد ...)

-أسلوب التضمين و أسلوب متواتر في نصوص الإمتاع و ذلك لإيصال موقف و رأي التوحيدي مع تجنب المواجهة و الصّدام مع ابن سعدان .

- توظيف الحجج المتنوّعة لحمل الطرف الآخر على التراجع عن موقفه.

- تحوّل موقف ابن سعدان و حالته من الجهل إلى العمل و ذلك في نهاية أغلب المسامرات . 

يقول :" فقال (أي الوزير) : ما كان عندي هذا كلّه".

-تواتر الأساليب الإنشائية ( الأمر-النهي-الاستفهام –التعجّب...) التي تضفي على النصّ طابعا تعليميا( النصح – التحذير-التوجيه..)

"أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند السلطان". 

ج - الأسلوب السّردي : لقد جاءت الكثير من المسامرات شكلا من أشكال الكتابة النثرية المقصودة القائمة على الأسلوب السردي . فقد هيّأ التوحيدي شروط النوع السردي فلم تكن المسامرات بعيدة الصلة عن تقاليد السرد القصصي في التراث السابق عليه. ذلك أنّ التوحيدي بدا متجاوبا مع (ألف ليلة و ليلة ) و مع (كليلة ودمنة ) من زاوية وجود الحكاية الإطار التي يتولد من داخلها حكايات اقتضت بدورها تقسيم الليالي و ترتيبها. و قد تبين لنا كيف كانت عملية استرجاع التوحيدي لما دار بينه و بين ابن سعدان قائمة على السرد حتى أصبح هذا السرد بدوره إطارا خارجيا للمحاورة أو بعبارة أخرى تولدت المحاورات في داخل السرد ثمّ تولّدت المحاورة بعد ذلك من داخل المحاورة .

لقد تجاوب التوحيدي مع تقاليد القصّ السّابقة من خلال توظيفه لبنية الخبر و ما يتأسس عليه من سند و متن على شاكلة أخبار الجاحظ و التي تتوفّر فيها مقومات السّرد من أطر و شخصيات و أحداث و تداخل في أنماط الكتابة (خبر ابن يوسف و خبر المعتضد مع ابن سليمان( وننبه إلى أسلوب السرد لا يخرج عن النزعة العقلية التي توخاها التوحيدي في كتابة الإمتاع والمؤانسة فهذه الأخبار والحكايات هي بمثابة حجج واقعية تاريخية لأطروحات ضمنية . مثال : خبر ابن يوسف يمكن أن يكون هذا الخبر حجة تدعم أطروحة ضمنية هي فساد العلاقة بين الحاكم والحاشية في بلاط السلطة.
د -الأسلوب الوصفي التسجيلي : يمكن اعتبار مسامرات الإمتاع و المؤانسة وصفا تسجيليا لأحوال مجتمع القرن الرابع للهجرة . يقول أحد النقاد :" و أيّا ما كان ,فالكتاب يلقي نورا كثيرا على العراق في النّصف الثاني من القرن الرّابع أعني في العصر البويهي".

فرسم الكتاب لأحوال المجتمع جعل من صاحبه منخرطا في الواقع تصويرا و رسما . فالمؤانسة في كتاب الإمتاع و المؤانسة ليست مؤانسة ممتعة فقط و إنما هي مؤانسة جادة . يقول زكريا إبراهيم :" تحدّدت شخصية أبي حيّان التوحيدي بثورته على أخلاق المجتمع الذي كان يعيش فيه و نقده لسير الناس الذين كان يحيا معهم , و تمرّده على العصر الذي كان ينتسب إليه".

على أننا لا يجب أن نعتبر العديد من المسامرات وثائق تاريخية ( قصّة الفتنة ) بل هي عمل أديب بالأساس لذلك يجب تخليص هذه المسامرات و كتاب الإمتاع و المؤانسة من وهم التاريخ و التعامل مع ما جاء فيها بإسقاط البعد التاريخي لان التوحيدي أديب و ليس مؤرخا و إن كانت مادة أدبه متصلة بالتاريخ و ذلك لعدة أسباب :

-موسوعية ثقافة التوحيدي الملّمة بالكثير من المسائل و منها التاريخية.

-التوحيدي لا يسعى إلى تأريخ الأحداث بقدر ما يسعى إلى النقد السياسي و الاجتماعي بطريقة أدبية, و الذي يؤكد هذا المنحى الأدبي عدّة قرائن :

* خلو الكتاب من الأرقام و النسب و الموضعية 

*عدم البحث العميق في الأسباب و النتائج.

*مزج السرد التاريخي بالوصف الانطباعي و الحوار مما يخرج الحديث عن طابعه التاريخي و يضفي عليه طابع المباشرة.

مسائل متعلقة بالتوحيدي و فكره و أدبه :

1) مركزية العقل في الإمتاع و المؤانسة :

احتل العقل في مسامرات الإمتاع منزلة محورية باعتباره قطب الرّحى الذي تدور حوله جميع القضايا و المعارف . و هذا ما انتهى ببعض النقاد إلى اعتبار التوحيدي " أديب الفلاسفة و فيلسوف الأدباء".

هذه المنزلة المحورية انتهت بابي حيّان إلى عقلنة الأدب شكلا و مضمونا و هذا أحسن شأنه أن يؤكد على:

أ*- جدّية كتاب الإمتاع و المؤانسة : فقد تناولت مسامرات الكتاب قضايا جادّة و بروح نقدية تساؤلية تواقّقة إلى التغيير و إلى تخليص المعارف من الوثوقية . و هذه الجدّية تؤكد غربة التوحيدي , فهو الجّاد في عصر الهزل و هو العاقل في زمن أشباه العقلاء و هو المفكّر الحرّ في عالم التمهذب و هو اللاّمنتمي في زمن الفرق و الملل .

ب*- تحرير الأ ديب من أدب التسلية و التكدّي إلى أدب السؤال و المساءلة و من أدب الصّنعة و البديع إلى أدب صياغة علامة الاستفهام .

يقول أحمد محمّد الحوفي:" كان أبو حيّان مكتبة جامعة لأكثر هذه الثقافة , خبير بالنّحو و اللّغة و الدب و الكلام و التصوّف و الفقه و الفلسفة....".

و كتاب الإمتاع يخاطب العقل قبل القلب و يحفّز إلى التفكير لا إلى الاستفادة السّلبية أو السهلة . و يقول أحد النقاد عن الإمتاع و المؤانسة " هو كتاب ممتع على الحقيقة لمن له مشاركة في فنون العلم , فانّه خاض في كلّ بحر و غاص في كل لجّة.





خاتـمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

لم يكن التوحيدي عالما بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى شامل كما أنّه لم يكن فيلسوفا لأننا لا نستنتج من أثاره فلسفة أو مذهبا بل هو أديب و نحوي و فقيه و متكلّم أكثر منه فيلسوف . فالتوحيدي إذن موسوعي يمثل أرقى ما وصلت إليه ثقافة الأديب في عصره , فقد شارك بأنواعها دون أن يتوغّل في أحداها فكانت له مزيّة التعبير عن عصر ازدهر فيه الفكر و نضجت فيه العقلية العربية و ارتقى الفنّ الكتابي .

و التوحيدي اطمأنّ إلى مرجعه الأكبر اطمئنانا كاملا و آمن به إيمانا تامّا. و هو العقل , فهو أداة سبر الأغوار و كشف المجهول و ميزان الحكم و معيار الحقيقة . و من ثمّ لم يكن مستغربا أن يصفه أي العقل بقوله" أن العقل هو الملك المفزوع اليه و الحكم المرجوع إلى لديه من كلّ حال عارضة و أمر واقع عند حيرة الطّالب ......به ترتبط النّعمة و تستدفع النقمة و يستدام الوارد و يتألّف الشارد و يعرف الماضي و يقاس الآتي , شريعته الصدق و أمره المعروف و خاصيته الاختيار ووزيره العلم و ظهيره الحلم و كنزه الرّفق و جنده الخيرات و حليته الإيمان و زينته التقوى و ثمرته اليقين"

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire